ابن باجة

198

رسائل فلسفية لأبي بكر بن باجة

وليس القول فيما هي السعادة الآخرة خرافات ، وسيتبين ان لها وجودا آخر غير الوجود المحسوس . وكذلك لا يشبه قوله أقواله فيما نسبه إلى بعض المتقدمين انه يحصر عند المفارقة احصارا شديدا . وليس هذا قول أحد المتقدمين بل هو قول اخوان الصفاء الضالين . « 6 » ويظهر من هذا القول « 7 » ان السعادة انما هي ان يكون الشخص جزء مدينة يخدم أو يخدم بحسب مرتبته في أن تحصل له ولأهلها الخيرات الكثيرة المحسوسة المدنية الملذة على ما يليق بمصالح الجميع ، ويخدم بحسب مرتبته في أن يحصل له ولأهلها على أفضل الأموال المدنية وابلغها في بقاء النوع على السلامة بطول البقاء . « 8 » وهذا كله خطأ ، فان من حصل له الكمال الانساني ، فان هذا الكمال المديني المحسوس « 9 » هو كمال للانسان بما هو جسم متغذ حساس متخيل ناطق النطق الذي يعم الجميع ، حتى يدخل تحت هذا الحد جميع من يخدم المدينة ويسوسها ، ويعرف قوته الناطقة في استنباط الخيرات المدينية بحسب مرتبته ، كان خادما أو مخدوما أو المتولي السياسة . وليس هذا وجودا آخر بحسب ما يظهر من أقوال المتقدمين بحسب خفاء ما جاءت به الشريعة عليهم . وليس هذا هو الكمال الانساني - عند المتقدم الذي يخصه بحسب شرفه في الوجود من بين سائر الحيوان - الذي خص به الانسان ، وهو العقل ، بحصول معقولات غير مرئية يقرب بها من الأول ، لا يحتاج في وجوده ذلك إلى مادة ، وليس يكون موجودا محسوسا ، وهذا هو نظر ما « 10 » بعد الطبيعة ، واما الوجود المحسوس فنظر الطبيعي .

--> ( 6 ) هذه هي الإشارة الوحيدة في هذا المجموع لاخوان الصفاء . وإذا صحت نسبة هذه الرسالة إلى ابن باجة أو بعضها على الأقل ، فستكون هي الإشارة الوحيدة عنده فيما وصلنا من آثاره . وهي على كل حال ذات ذلالة . ( 7 ) في الأصل تكرار ورد هكذا : « ويظهر من القول من هذا القول » . ( 8 ) في العبارة قلق واضطراب يسهل اصلاحه فيما يبدو ، ولكنا آثرنا الابقاء عليه كما ورد في الأصل ، تاركين امر اصلاحه إلى اجتهاد القارئ . ( 9 ) في هذه العبارة اضطراب أيضا . ( 10 ) في الأصل : « فيما » .